مقدمة
“البناء الاجتماعي: تأملات أولية”
البناء الاجتماعي هو مفهوم عام يشير إلى الظروف الاجتماعية “الجمعية” الراسخة المحددة للبقاء الإنساني في المجتمع، فهو يشير إلى السياق، أو البيئة الموضوعية التي تحدد النشاطات الفعلية، أو المحتملة للأفراد، وبهذا المعنى فإنه يتجاوز قدرة الأفراد على التعديل والاختيار، فاللغة المشتركة، والعقائد الدينية، وتوزيع الثروة، وحجم التنظيمات، وكيفية القيام بالأدوار في المجتمع كأساس للبقاء الإنساني تتجاوز جميعها القرارات المنطقية للفرد، ولذلك يتحدث العلماء عن البناء الاجتماعي بصيغة المفرد – غالباً، كما لو كان ثمة بناء اجتماعي واحد وحسب، وأنه شيء منعزل عن الأفراد، وأنه ليس ثمة من هو في استطاعته الانسلاخ عن تأثيراته بأية حال. وفي الحقيقة يخفي هذا التعريف عدم اتفاق العلماء حول الحدود الدقيقة للمفهوم، ويؤكد حرصهم على العناية بالمجالات الحاكمة المجردة للبناء الاجتماعي، بوصفها تمثل السياق الجمعي الصلب للقيم الاجتماعية المشتركة، التي يجب على الأفراد التكيف معها باستمرار، من أجل الحفاظ على التضامن، أو الاستقرار اللازم لبقاء المجتمع، وديمومته في الوجود
يظهر البناء الاجتماعي إلى حيز الوجود نتيجة لشيوع القياس الاجتماعي للأفعال الروتينية للأفراد في المجتمع، ومع أن بعض الأنماط القياسية للأفعال المتعارف عليها قد تتغير ببطء شديد، سواء نتيجة القصور الذاتي، أو نتيجة الجهود المتعمدة لتجديدها، أو نتيجة للجهود الفردية التي يبذلها الأفراد لأسبابهم المستقلة، فإنَّ الصورة العامة اللازمة لتحقيق مبدأ البقاء للبناء الاجتماعي، واستمراره في الوجود تظل كما هي، فالبناء الاجتماعي أشبه ما يكون بالخريطة البيانية الملونة التي تحدد على نحو قياسي – اللهجات اللغوية لمستوطني الأقاليم الجغرافية المتباينة، ومع أن هذه الخريطة قد تفقد تفاصيلها بمرور الزمن، نتيجة للتغيرات الديموجرافية، أو التعليمية، أو ما شابه ذلك، إلا أنها تظل بذاتها الخريطة القياسية الشرعية التي تحدد اللهجات الإقليمية الفعلية، ولو بعد قرن، أو يزيد من الزمان، وبالمثل قد تنقرض الأصول القرابية في المجتمع، ويتم توريث ممتلكات الأفراد وفقاً للمبادئ العرفية غير القرابية المعترف بها، وقد تتشكل بعض الجماعات الاجتماعية الجديدة نتيجة للتشعب، أو للانشطار الديموجرافي، وقد تتحول الامتيازات بين الأفراد نتيجة النجاح في أداء الالتزامات الاجتماعية، أو إخفاقهم في ذلك، وقد يتعاقب الأفراد في الاضطلاع بالمسئوليات السياسية في المجتمع، دون أن يمثل ذلك لأعضائه تغيراً في البناء الاجتماعي اللازم للبقاء، أو للدوام على الإطلاق
لتحميل الكتاب كاملاً، اضغط هنا