0%
Still working...

كتاب الأنماط البشرية

الفصل الأول

السمات السلالية والاختلافات العقلية

Firth, Raymond: Human Types; Sphere Books Ltd., London 1970 (1938).

بقصد التحية يصافح الإنجليز كل منهم الآخر، ويعانق الفرنسيون، في اللحظات المتأججة بالمشاعر، بعضهم البعض، ويقبلون الخدود، ويحي النمساوي اللبق السيدة الماجدة بتقبيل يدها، ويضغط البولينيزيون أنوف بعضهم البعض، ولئن بدت هذه الشفرات لعادات الشعوب معقولة لمن يمارسونها، فإنَّها لا تبدو هكذا لمن لا يأتونها، أو أنها قد تبدو مسلية، أو مثيرة للسخرية لهم

وفي معظم الهند، والعالم الإسلامي، فإنَّ النساء لا تزال تغطين وجوههن، بالإضافة لأجسامهن، بالخمار، وفي أوروبا، فإنَّهنَّ تغطين الجسم، ولكنهن تكشفن الوجه، وفي كثير من أنحاء أفريقيا، وماوراء البحار الجنوبية، فإنهن تتركن صدورهن بادية للعيان، وفي بعض الأقاليم، تكون عارية تماما، وفي كل حالة، لا يشعر الناس أنفسهم بالحياء، بالرغم من أنهم يعتقدون أن تغطية الوجه بلاهة، وأن تعرية الجسم عدم حشمة، أو أنه سلوك غير لائق بالمرة، وحين ترتدي الصينيات ونساء الاسكيمو البنطالات، فإننا نعتقد أنه أمر غريب، ولكن في أوروبا، فإنَّ النساء قد ترتدينها من أجل الرياضة، أو العمل، لأنها أكثر عملية

إن الاختلافات في العلاقات الجنسية الأساسية تنشأ عواطفنا الدفينة، وفي الحضارة الغربية، يمثل الزواج المونوجامي (من زوجة واحدة) الشكل النموذجي للزواج الذي يدعمه القانون والكنيسة، وفيما عدا أوروبا، فإنَّ الزواج البوليجامي (متعدد الزوجات) يمثل الشكل الشائع غالبًا، ولكننا نعتقد أنه مثير للاشمئزاز، وغير خلقي، بالرغم من سماح بعض البلاد به بمقتضى دينها، وثمة بلاد ترخص به لأسباب اقتصادية، أو لصيانة صحة الأطفال، وفي أوروبا، فإنَّ الدستور الخلقي يدعم العفاف للجنسين قبل الزواج بالرغم من تراخيه عمليا، فيما يتعلق بالرجال، وإن أصبح أقل تزمنا، الآن، بالنسبة للنساء، وفي كثير من المجتمعات الوطنية، فإنَّ العلاقات الجنسية قبل الزواجية متوقعة من قبل الشباب، وهم يعتقدون أنَّ الخبرة تعلمنا، بينما نشعر نحن أن أقل معرفة بذلك يعتبر إثما، وهو أمر محفوف بالمخاطر دائما

إن أديان العالم – بالرغم من العناصر المشتركة فيها – تظهر بالتساوي اختلافات راسخة في الاعتقاد، والممارسة، وقد يتفق الفلاسفة واللاهوتيون حول أسس الإيمان ولكن الرجل العادي يتشبث بتحريماته عن ثقة أنها مقنعة وقويمة، إنَّ المسلم المتزمت لا يقرب لحم الخنزير، والهندوسي المتزمت لا يتناول لحم البقرة، ولكن المسيحي المتزمت يتناولهما، باستثناء ربما أيام الجمعة، وعلى حين يختال الثور البراهمي للهند الهندوسية عبر السوق، ويأكل حتى تمتلأ بطنه تمامًا، يرى الأوروبي فيه مغنما مهدرا لصالح التحيز الديني، ويفكر فيما ينبغي شغله بحرث الأرض، أو تحويله إلى شرائح، إن احتجاج الجماعات الهندوسية في شمالي الهند ضد الشواء العلني للثيران في عام 1937 للاحتفال بتتويج جلالة الملكة في بريطانيا العظمى، قد يبدو كوميديا لكثيرين من الإنجليز، إنَّ موروث تناول شرائح اللحم، بالإضافة إلى الدين المصبوغ برمزية الأضحية، وتناول العشاء الرباني من خلال المشاركة في اللحم والدماء، يجد من الصعب تقدير الاخلاص لدين يعتقد في الأضاحي البيضاء (غير المصحوبة بإراقة الدماء)، وفي توقير حيوان مقدس، وقد يقول الهندوسي الساخر إنَّ العجل الوحيد الذي نوقره هو عجل ذهبي

والآن، ما أسباب تلك الاختلافات الراسخة في طرائق حياة الشعوب، وفي تفكيرها .؟. أهو الموروث السلالي، أم الظروف البيئية، أم الإرث الثقافي .؟. وما معنى هذه الاختلافات .؟. في الفصول القادمة، سوف نعالج هذه الأسئلة، ولأني أكتب بوصفي أنثروبولوجيا، فإنَّني سأكرس جل اهتمامي لعادات الشعوب البدائية، وأعرافها، وللفولك الريفي، الذي تختلف طرائق حياته عن طرائق حياة الحضارة الغربية، ومثل هذه الطرائق ليست مثيرة للباحثين عن البدع، أو أن فهمها ليس مهما لمن يعملون في البلاد المتخلفة فقط، وإنما يمكن أن تلقي دراستها الضوء على عاداتنا، وأفكارنا نحن (من أجل التنوير كما يقول الغربيون – المترجم)

لتحميل الكتاب كاملاً، اضغط هنا

Leave A Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Related Posts